السمارة اليومية:جريدة الصباح
ليلة الرابع عشر من شتنبر الماضي، لم تكن كسائر الليالي بحي الحسني بالسمارة. كانت السماء ملبدة بسحب قاتمة، تنذر بشيء ثقيل يخيم على الأجواء. الساعة تقترب من منتصف الليل حين ساد صمت غير مألوف في الزقاق الضيق، قبل أن ينفجر فجأة بصرخة مدوية من إحدى الغرف المخصصة للكراء، ثم عم السكون مجددا، لم يكن سوى سكون ما قبل العاصفة.
في اليوم الموالي، دقت امرأة تسكن الجوار باب غرفة جارتها، بعدما أثارها غيابها الغريب عن الأنظار، وعدم سماع صوتها المعتاد. طرقت مرارا ولم تتلق جوابا، فتسلل إليها الشك، وربطت الاتصال بالشرطة. دقائق معدودة كانت كافية لحضور أفراد الأمن الوطني مرفوقين بفرقة مسرح الجريمة، ليجدوا أنفسهم أمام مشهد صادم، امرأة في عقدها الرابع، مرمية على الأرض، نصف عارية، جسدها يحمل آثار طعنات غائرة، والدماء غطت جنبات الغرفة البسيطة
جريمة مركبة خلف باب موصد
كشفت المعاينة الأولية لمسرح الجريمة، أن ما وقع لم يكن مجرد وفاة عادية، بل كان فصلا دمويا من العنف البشري بأبشع صوره. كان جسد الضحية، ملقى على الأرض، يحمل آثار طعنات متعددة وموزعة بعنف غير عاد على مناطق حساسة، ما دل بوضوح على أن القاتل كان في حالة غير سوية، إما تحت تأثير مخدر أو مدفوع بنوبة هستيرية من الغضب أو الشهوة، ومع تزايد الأسئلة، برز لغز مقلق، الهاتف الشخصي للضحية اختفى من مكان الجريمة.
ذلك الغياب لم يكن تفصيلا عابرا، بل مفتاحا أوليا قاد المحققين إلى ترجيح فرضية أن الجريمة مزدوجة، قتل مع سبق الإصرار مقرون بجريمة سرقة، وعليه، انطلقت التحقيقات، وانقسم فريق التحقيق إلى مجموعات، إذ تولت إحدى الفرق عملية استجواب الجيران والمترددين على الحي، بينما توجهت مجموعة أخرى إلى وكالات الاتصالات، باحثة عن أي أثر رقمي يقود إلى الفاعل، الذي لم يترك شيئا للصدفة، فقد تم تتبع سجل المكالمات الخاصة بالضحية، واستخرجت كل التفاصيل المرتبطة برقمها، دقيقة بدقيقة.
وفيما كانت المعطيات تحلل بعناية، قادت إحدى النتائج المحققين إلى مفاجأة حاسمة، آخر اتصال تم عبر هاتف الضحية قبل لحظات من الجريمة، كان مع رقم يعود لشاب ثلاثيني يعمل في محل لبيع أعلاف المواشي، يقع مباشرة قبالة منزل الضحية، والمفاجأة الأكبر، أنه اختفى منذ ليلة الحادث، دون أن يترك أثرا.
وفي وقت لاحق، وخلال تمشيط دقيق لأحد الأودية المحاذية للمنطقة، عثر على هاتف الضحية مرميا بين الصخور، وكأنه أُريد له أن يختفي دون أثر، لكن تقنيات التحليل الرقمي كانت له بالمرصاد، من هنا، بدأت الدائرة تضيق على المشتبه به الرئيسي، وبدأت خيوط الجريمة تنسج خريطة النهاية، بخطى هادئة لكن واثقة.
البائع الغامض
شاب في مطلع الثلاثينات، بملامح هادئة وسلوك لا يثير الريبة، يقضي نهاره في بيع الأعلاف ويقضي ليله في المقاهي دون أن يلفت الأنظار، حاول الهروب من السمارة، لكن حين استدعي شاهدا في جريمة حي الحسني، بدأ القناع يتزحزح. جلس أمام المحققين متماسكا في البداية، لكن شرارة الشك اشتعلت عندما لاحظوا خدشا دقيقا على خده، حاول تبريره بادعاء سقوط كيس أعلاف على وجهه، غير أن المحققين كانوا يملكون ورقة أقوى، الضحية خدشت وجه المعتدي أثناء مقاومتها.
عندها، بدأ التوتر يتسرب إلى نبرة صوته، وعيناه تهربان من نظرات الاستجواب. أخذ التحقيق منحى تصاعديا، خاصة بعد كشف أن آخر اتصال من هاتف الضحية كان معه، والهاتف عثر عليه ببصماته. لم يجد الإنكار نفعا، إذ سقطت كل رواياته الواهية أمام الحقائق الدامغة، ومع اشتداد الخناق، انهار المتهم فجأة، كمن خارت قواه تحت ثقل الذنب، وبدأ يروي تفاصيل الجريمة بصوت مرتجف.
اعتراف بدم بارد
اعترف القاتل أنه كان تحت تأثير الخمر عندما اتصل بالضحية، وكان هدفه في البداية السرقة، سواء من الضحية أو من جارتها، حسب قوله. حمل سكينا كبيرا، وراقب الغرفة حتى لمحها تفتح الباب، فدخل متظاهرا بأنه جاء لطلب مساعدة، وما إن استقر داخل الغرفة حتى تحولت النوايا، حسب وصفه، إلى شيء آخر.
قال إنه لاحظ أن الضحية خلعت ملابسها وتستعد لتهيئة نفسها، وأشار إلى أنه كان يعلم أن الضحية تمارس الجنس مقابل المال، بحكم موقع منزلها المواجه لمحله. حاول إقناعها بممارسة جنسية، وحدث ذلك بالفعل، لكن خلافا نشب بينهما بسبب المقابل المالي، عندها شرعت في صده وصرخت، ثم خدشته بحدة على وجهه، وهو ما استفزه وجعله يستل سكينه ويطعنها طعنات متتالية، إلى أن سقطت جثة هامدة. سرق هاتفها المحمول، وغادر المكان بكل برودة أعصاب، كما لو أنه لم يكن سوى زبون عابر.
لم تقتصر الشرطة على الاعترافات، بل دعمتها بتسجيلات كاميرات مجاورة، وآثار الحمض النووي، وتقارير الطب الشرعي، التي تطابقت تماما مع رواية الجاني، مؤكدة أن الطعنات سببت نزيفا حادا في مناطق قاتلة من الجسد، وأن الوفاة كانت نتيجة مباشرة للاعتداء العنيف، كما أن حجز الهاتف المحمول للضحية اعتبر دليلا قاطعا على جريمة السرقة.
محاكمة تاريخية… وحكم بالإعدام
أمام بشاعة التفاصيل، والاعترافات الدقيقة، والأدلة المادية، قررت النيابة العامة متابعة المتهم بجناية القتل العمد مع سبق الإصرار، والسرقة تحت التهديد بالسلاح، طبقا للفصول 392، 393 و507 من القانون الجنائي. وخلال جلسات المحاكمة بمحكمة الاستئناف بالعيون، ظل المتهم منكسرا، لا ينبس ببنت شفة، تاركا المحامين والنيابة العامة يسردون تفاصيل ليلة الدم.